بعض جرائم الإخلال بالالتزامات العائلية

0

(toc) #title=(جدول التنقل)





     إن العلاقة الزوجية التي تجمع  بين الرجل و المرأة تتولد عنها مجموعة من الحقوق و الإلتزامات المتبادلة، وقد حددتها مدونة الأسرة في إطار المادة 51 منها، و لعل المثال على هذه الحقوق و الالتزامات المعاشرة بالمعروف، المساكنة الشرعية، التاور في اتهاذ القرارات وغير ذلك. كما أن المادة 54 حدد الالتزامات الأبوين اتجاه أبنائهم، ومن قبيل هذه الالتزامات الحفاظ على صحة أولادهم، تعليمهم، الإنفاق عليهم، و غير ذلك مما يحفظ الأبناء و صحتهم وسلامتهم.

  

  لقد حدد المشرع مجموعة من الالتزامات التي تترتب عن عقد الزواج، و قد اعتبر المشرع في كثير من الحالات الإخلال بهذه الالتزامات بمثابة جرائم عاقب عليها، و يتضح ذلك من خلال مجموعة من النصوص القانونية في مجموعة القانون الجنائي.


    إن الأصل في الالتزامات المنصوص عليها في مدونة الأسرة، تستوجب ضرورة اجتماع الزوجين في بيت واحد، وذلك ما لم تكن ثمة ظروف تحول دون ذلك. لكن قد يحصل أن يغادر أحد الزوجين بيت الزوجية سواء لأسباب إرادية، كمغادرته طوعا لبيت الزوجية، أو لأسباب غير إرادية، كالطرد من بيت الزوجية. و عليه سنتطرق إلى بعض صور جرائم الإخلال بالالتزامات العائلية، كجريمة ترك بيت الزوجية، الطرد منه، والامتناع عن إرجاع الزوج المطرود.


المطلب الأول : جريمة ترك بيت الزوجية.

    بيت الزوجية يعد في الأساس مكان لاستقرار الأسرة، لذلك فالزوجة و الأبناء ملزمين باتباع الزوج و الاستقرار معه في المكان الذي تختاره، و ما للزوجة إلا أن ترفع أمرها إلى القضاء للنظر في ما إذا كان مقر بيت الزوجية يلحق بالزوجة ضررا من جراء ذلك.


    عليه، فإن استمرار العلاقة الزوجية من عدمه، مرتبط بشكل كبير ببيت الزوجية، لذلك فإن تركه بدون مببرات قانونية من شأنه أن يؤدي إلى ترتيب جزاءات قانونية في حق المخل بالتزاماته الأسرية. وقد يتخذ ترك بيت الزوجية صورتين، تتمثل الأولى في ترك الأب أو الأم لبيت الزوجية والتملص من الالتزامات، أما الصورة الثانية فتتمثل في ترك الزوج لزوجته وهي حامل، و هذه االصور ححدها المشرع ضمن مقتضيات الفصل 479 من مجموعة القانون الجنائي. فما هي إذن عناصر جريمة ترك بيت الزوجية ؟


الفقرة الأولى : عناصر جريمة ترك بيت الزوجية.

كأي جريمة لابد من توافر الركن القانوني، المادي، و المعنوي لقيام هذه الجريمة، بالإضافة إلى عناصر أخرى.

1- الركن القانوني : نص المشرع على هذه الجريمة من خلال الفصل 479 من القانون الجنائي، والذي حدد من خلاله أيضا الركن المادي والمعنوي.

2- الركن المادي : حتى يتحقق الركن المادي في جريمة ترك بيت الزوجية، كان لابد من توافر بعض الشروط، إذ لايمكن القول بتحقق العنصر المادي لهذه الجريمة إلا إذا كان ترك بيت الزوجية يرجع لسبب غير مقبول، أما إذا كان هذا الترك لسبب غير إرادي ولا يد لأحد الزوجين فيه، فلا يقوم الركن المادي لهذه الجريمة، كأن يكون الترك بسبب المرض أو السجن أو غيرها من الأسباب غير الإرادية . 

    كما يلزم لتحقق هذا العنصر أن تكون مدة ترك بيت الزوجية لا تقل عن شهرين للقول بتحقق هذا العنصر، وبالتالي فإن جريمة ترك بيت الزوجية تعد من الجرائم المستمرة. كما أن المشرع استلزم إضافة إلى هذا الشرط أن تكون صفة المتابع، إما أبا أو أماً أو زوجا لإمرأة حامل.

3- الركن العنوي : يعتبر شرط توفر القصد الجنائي لازما لتحقق هذه الجريمة، وهذا يتحقق من خلال اتجاه نية الزوج أو الزوجة، أو الأب أو الأم في حالة وجود أولاد، إلى الاخلال بالالتزامات التي تقع على عاتقه تجاه أسرته.


الفقرة الثانية : العقوبات المقررة لجريمة ترك بيت الزوجية .

    تعتبر جريمة ترك بيت الزوجية من الجرائم التي تدخل في خانة الجنح، بناء على تصنيف المشرع الجنائي، وقد حدد لها المشرع عقوبة في الفصل 479 من القانون الجنائي تتراوح بين الحبس من شهر واحد إلى سنة، وغرامة مالية ما بين 200 إلى 2000 درهم، أو المعاقبة فقط بإحدى هاتين العقوبتين، وذلك بناء على السلطة التقديري للقاضي الجنائي الذي يحدد العقوبة المناسبة للفعل حسب ظروف كل قضية على حدة.


    وقد بلغت عدد القضايا المسجلة في هذا الصدد سنة 2020 بناء على إحصائيات رسمية، أجرتها رئاسة النيابة العامة، ما بلغ إلى 1294 قضية، توبع فيها أحد الزوجين بتهمة ترك بيت الزوجية بدون مبرر مقبول.


المطلب الثاني : جريمة الطرد من بيت الزوجية والامتناع عن إرجاع المطرود.

    حرصا على استقرار الأسر و الحفاظ على كيانها من أي تجازر يمكن أن يمس بمركز قانوني لأحد مكوناتها و بالتالي المس بالاستقرار المجتمعي، فقد عاقب المشرع المغربي على جريمة الطرد من بيت الزوجية والامتناع عن إرجاع الالمطرود.


الفقرة الأولى : جريمة الطرد من بيت الزوجية. 

    من أجل تحقق جريمة الطرد من بيت الزوجية كان لابد من توافر مجموعة من العناصر، و التي تشكل مجتمعة هذه الجريمة، إذ على غرار باقي الجرائم لابد من توافر ركن قانوني، ركن مادي، وآخر معنوي.


1- الركن القانوني : تطرق المشرع لهذه الجريمة في إطار الفصل 480-1 من مجموعة القانون الجنائي، إذا تطرق من خلاله إلى الأفعال المكونة لهذه الجريمة، و أفرد لها عقوبة معينة.


 2- الركن المادي : أحاط المشرع الحياة الزوجية بمقتضيات خاصة كفيلة بتحقيق الأهداف السامية التي تأسست من أجلها، و بذلك الحفاظ على لحمة الأسرة من التفكك و الضياع، ولعل أبرز هذه المقتضيات حماية الزوج المطرود من بيت الزوجية، هذا الفعل الذي يعد إخلال بإلتزام قانوني نصت عليه مدونة الأسرة ضمن الالتزامات و الحقوق المتبادلة بين الزوجين ضمن المادة 51 منها.

    وبالتالي فإن الركن المادي لهذه الجريمة يتحقق بقيام أحد الزوجين دون مببر مقبول بطرد الزوج الآخر، في هذا الصدد و بالرجوع إلى المادة 53 من مدونة الأسرة، نجد المشرع يعطي صلاحية التدخل من أجل إرجاع الزوج المطرود من بيت الزوجية للنيابة العامة، بناء على طلب من الزوج المطرود. كما خولها المشرع سلطة اتخاذ جميع الأجراءات الكفيلة بأمنه وسلامته.


3- الركن المعنوي : يعد القصد الجنائي في جريمة الطرد من بيت الزوجية عنصرا أساسيا، و يرجع ذلك إلى أن هذه الجريمة هي من الجرائم العمدية التي تستلزم توافر القصد الجنائي لدى الفاعل، واتجاه نيته إلى القيام بالفعل المجرم المتمثل في طرد الزوج الآخر من بيت الزوجية.

الجدير بالملاحظة في هذا الصدد، أن المشرع لم يشترط في صفة الفاعل أن زوجا للزوج المطرود، إذ أن هذه الجريمة

    تقوم بسبب طرد أحد الزوجين من بيت الزوجية حتى ولو كان القائم بهذا الفعل ليس زوجا للمطرود، و كمثال على ذلك قيام أحد أقارب الزوج بطرد الزوجة من بيت زوجها دون وجه حق ودون عذر مقبول، و هو ما يؤدي إلى قيام هذه الجريمة في حقهم حتى في غياب رابطة الزوجية بين الفاعل و ضحية هذه الجريمة.


- عقاب جريمة الطرد من بيت الزوجية : عاقب المشرع على هذه الجريمة بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر، و غرامة مالية تتراوح بين ألفين و خمسة آلاف درهم، في حين تضاعف العقوبة إلى الضعف في حالة العود.


الفقرة الثانية : جريمة الامتناع عن إرجاع المطرود إلى بيت الزوجية .

    حتى تحقق جريمة الامتناع عن إرجاع المطرود من بيت الزوجية لابد من توافر مجموعة من العناصر، و التي تتحقق معها هذه الجريمة، فعلى غرار باقي الجرائم الأخرى لابد من توافر ركن قانوني، ركن مادي، وآخر معنوي.


1- الركن القانوني : أكد الفصل 480-1 أعلاه، أن الإمتناع عن إرجاع الزوج المطرود من بيت الزوجية يشكل جريمة يعاقب عليها القانون. فرغم عدم تحديد المشرع المقصود بالامتناع في هذه الجريمة طالما أن الامتناع يأخذ صورا متعددة، فإن المشرع ترك أمر تقدير هذا الأمر إلى سلطة القاضي بناء على ظروف القضية و ملابساتها في كل حالة عارضة.


2- الركن المادي : تعد جريمة الإمتناع عن إرجاع المطرود إلى بيت الزوجية جريمة تامة، لكن المشرع لم يوضح المقصود بالامتناع الذي يتحقق معه الركن المادي لهذه الجريمة، أو إعطاء مثال على ذلك، فالامتناع يتخذ صورا متعددة ، كتغيير عنوان بيت الزوجية، أو استبدال قفل الباب بآخر، أو انهاء عقد الكراء أو الرفض المباشر برجوع الزوج إليه. 

    ثم من جهة ثانية، نجد أيضا سكوته عن تحديد المقصود بعبارة " بدون مبرر "، و في ظل هذا السكوت من المشرع عن تحديد مفهوم الامتناع فقد ترك للقاضي هامشا لتحديد العفل الذي يشكل الركن المادي لهذه الجريمة بناء على سلطته التقديرية.


3- الركن المعنوي : لا يكفي للمعاقبة على جريمة الإمتناع عن أرجاع الزوج إلى بيت الزوجية إتيان فعل الإمتناع فقط، بل يلزم أن تتوافر لدى الفاعل النية في إتيان العناصر المكونة لهذه الجريمة عن بينة و اقتناع، أي أن يكون متعمدا ارتكاب هذه الجريمة، وذلك يرجع إلى أنها تعتبر من الجرائم العمدية التي تستلزم توافر القصد الجنائي لدى الفاعل.

    كما وجب الإشارة إلى أن هذه الجريمة هي من جرائم الصفة، أي أنها لا ترتكب إلا من فئة معينة من الأشخاص، ما يعني حصرا للفئات المتابعة بمثل هذا النوع من الجرائم، و كذا الفئات المشمولة بالحماية الجنائية.

إرسال تعليق

0تعليقات
إرسال تعليق (0)

#buttons=(شكرا !) #days=(20)

يجري الموقع دراسة من أجل تقديم أفضل تجربة خلال التصفح
Accept !