قراءة في الأمر بعدم المتابعة كأحد الأوامر التي يصدرها قاضي التحقيق.

0



مقدمة :

 

 بادئ ذي بدء، يعد ارتكاب الفعل الجرمي خرقا سافرا لمجموع القيم التي يتولى حمايتها خطاب القاعدة القانونية الجنائية، ومن ثم فارتكاب الجريمة يشكل أساس مشروعية توقيع العقوبات الجنائية، وذلك حماية المجتمع من جهة، وحماية الضحية وذوي حقوقه من جهة أخرى.

 

       ومما لا شك فيه، أن الخصومة الجنائية تمر بمجموعة من المراحل  وتعرف مجموعة من المتدخلين، بدءا بمرحلة البحث التمهيدي بنوعيه وكذا مرحلة التحقيق ثم مرحلة المحاكمة، وفي هذا الخصوص تعد مرحلة التحقيق التي يباشرها قاضي التحقيق أبرز مرحلة تعرفها الخصومة الجنائية، وذلك باعتبارها مرحلة قضائية من جهة، وكذلك لما قد تشكله من  مساس بحقوق وحريات الافراد  من جهة أخرى، وذلك استنادا إلى مبدأ الشرعية، وكذا مبدأ  قرينة البراءة التي كرسها دستور 29 يوليوز 2011 في الفقرة الرابعة من الفصل 23، وكذا الفصل 119، في الباب السابع المعنون بالسلطة القضائية،  اضافة إلى المادة الاولى من قانون 22.01 على شاكلة الاعلان العالمي لحقوق الانسان سنة 1948 في مادته العاشرة، وكذا المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية سنة 1966.

 

      واستنادا إلى ما سبق، فمرحلة التحقيق الاعدادي نظمها المشرع المغربي في القسم الثالث من الكتاب الأول من قانون المسطرة الجنائية،  من المادة  83 من ق.م.ج إلى المادة 230 ق.م.ج.

 

   وتحظى مرحلة  التحقيق الاعدادي بأهمية بمكان كونها تؤدي إلى تحضير الدعوى وتحديد مدى قابليتها للنظر أمام قضاء الحكم، ومن ثم فالمشرع منح لقاضي التحقيق اصدار مجموعة من الاوامر والتي في غالبيتها تكون ماسة بحريات الافراد، ومن بين الاوامر التي يصدرها قاضي التحقيق نخص بالذكر الامر بعدم المتابعة، إذا تبين له أن الأفعال لا تخضع القانون الجنائي أو لم تعد خاضعة له أو أنه ليست هناك أدلة كافية ضد المتهم أو كون الفاعل ظل مجهولا، وعليه يثار التساؤل حول ما مدى توفق المشرع وأقصد هنا المشرع المغربي في تنظيم الامر بعدم المتابعة على شاكلة باقي الاوامر التي خول المشرع لقاضي التحقيق إصدارها.

 

ولمقاربة هذه الاشكالية سنسلط الضوء على دراستها وفق محورين.

المحور الأول: الأمر بعدم المتابعة لأسباب قانونية.

المحور الثانيالأمر بعدم المتابعة لأسباب واقعية.

 

    كما هو معلوم لقد أورد المشرع المغربي الأمر بعدم المتابعة في المادة 216 قانون المسطرة الجنائية، وهو ذلك القرار الصادر عن قاضي التحقيق، الذي بموجبه توقف الدعوى وبالتالي فهو قرار بعدم إحالة الدعوى العمومية إلى المحكمة المختصة، وهو أمر ذو طبيعة قضائية باعتباره تصرفا في التحقيق (1).


    ومن خلال المادة 216 قانون المسطرة الجنائية، يمكن القول بأن الأمر بعدم المتابعة الذي أصدره قاضي التحقيق في حق المتهم بعد انتهائه من البحث في القضية هو عبارة عن قرار يعلن بواسطته انعدام الفائدة من المتابعة.

 

       وبعبارة أخرى، فالأمر بعدم المتابعة قرار قضائي ذو حجية خاصة يصدر عن سلطة قاضي التحقيق استنادا الى اسباب قانونية أو موضوعية مبينة في القانون، تصرف به النظر عن مواصلة السير بإجراءات دعوى الحق العام وعدم احالتها على محكمة الموضوع (2).

 

    وعلى مستوى التشريعات المقارنة، نص المشرع الفرنسي على الأمر بعدم المتابعة في المادة 177 من قانون الاجراءات الفرنسي، كما نص عليه المشرع المصري كذلك في المادة 154 من ق. إ. ج إذا كان قاضي التحقيق هو الذي أصدر أما إذا كانت النيابة العامة هي التي أصدرت هذا الأمر بعدم المتابعة (3).

 

    وجذير بالذكر، أن قاضي التحقيق يقدم على  اتخاد الأمر بعدم المتابعة بناء على أسباب قانونية ( المحور الاول) وكذا الأسباب الواقعية المبررة لعدم المتابعة (المحور الثاني).

 

المحور الأول : الأسباب القانونية المبررة لعدم المتابعة.

 

      تنعت بكونها أسباب قانونية أي ترجع مباشرة للقانون وتحقق في حالة ما إذا كانت الأفعال رغم اسنادها إلى المتهم إلا أنه مع ذلك لا تشكل لا جناية ولا جنحة استنادا الى مبدأ الشرعية، وفي هذا الاطار يستوجب النص صراحة على تجريم نشاط معين يعد جريمة وإلا امتنعت المساءلة والعقاب عنه (4).

 

        وكما هو معلوم، الحالات التي ينتفي فيها الركن القانوني للجريمة لاستفادة المتهم المتابع أمام قاضي التحقيق من أسباب تبرير الجريمة، أو من أسباب مانعة من تحريك الدعوى العمومية، كتحقق واقعة التقادم عن الأفعال المتابع عنها، أو صدور عفو شامل بسببها أو موت المتهم أو غياب نص صريح في القانون الجنائي يعاقب على محاولة جنحة من الجنح كما ينص على ذلك صراحة الفصل 115 من القانون الجنائي (5).

 

المحور الثاني:  الأسباب الواقعية المبررة لعدم المتابعة.

 

    وهي الأسباب التي تتعلق بالوقائع وليس بالقانون وهي أمور تقديرية تستمد من أدلة  الدعوى. ولعل من الفائدة الاشارة، إلى أن تقسيم الاسباب التي يتحتم على قاضي التحقيق تعليل قراراته بعدم المتابعة اعتمادا عليها، لا تقف عند مجرد التمييز بينها وإنما لها فائدة عملية أخرى تمثل في كون قرارات قاضي التحقيق بعدم المتابعة، ولو أنها قابلة للاستئناف دوما أمام الغرفة الجنحية من قبل النيابة العامة والمطالب بالحق المدني، فإن تلك المؤسسة منها على أسباب واقعية التي لا تمنح من العودة إلى فتح تحقيق مرة أخرى عملا بالمادة 228 قانون المسطرة الجنائية كلما ظهرت أدلة جديدة تسمح بذلك.

 

    وفي هذا السياق، صدر قرار لمحكمة النقض أكدت فيه "أنه ليس مطلوبا من قاضي التحقيق الحصول علة اقتناعه بالإدانة من عدمها بقدر ما هو مكلف بالبحث عن قيام الأدلة التي تبرر المتابعة.(6).

 

      غني عن البيان، إن إلغاء الأمر الصادر عن قاضي التحقيق بعدم المتابعة لظهور أدلة جديدة، يحتم معه ظهور هذه الأخيرة قبل سقوط الدعوى العمومية بالتقادم، كما يعد الأمر القضائي بعدم المتابعة وإن تشابه مع المقرر الذي تصدره النيابة العامة بالترك أو الحفظ فإن هذا التشابه ظاهري فقط لكون أن الأمر  بعدم المتابعة هو أمر صادر عن قاضي التحقيق بعد انتهائه التحقيق، وهو من ثم قرار  ذو طبيعة قضائية يجوز استئنافه بل الأبعد من ذلك، فالقانون أوجب تعليله بالأسباب المذكورة في المادة 216 من قانون المسطرة الجنائية  المغربي.(7).كما لا يجوز لقاضي التحقيق إلغاء الأمر أو الرجوع عنه من تلقاء نفسه، في حين أن مقرر الحفظ الذي يصدر عن النيابة العامة يتأسس على مدى ملاءمة المتابعة عن الواقعة من عدمه ومن ثم فلا موجب لتسبيبه، وهذا ما يقر به من أن يكون قرارا إداريا يمكن الرجوع عنه في كل حين، وفيما أعتقد أن قاضي التحقيق لا يملك سلطة الملاءمة الممنوحة للنيابة العامة بقوة القانون، حيث وإن كان الضرر قد يبذو غير جسيما فيوجب على قاضي التحقيق أن يحيل الأمر على المحكمة، وذلك على خلاف النيابة العامة التي تملك سلطة الملاءمة التي تخولها إما الحفظ أو المتابعة في إطار الصلاحيات الواسعة التي منح اياها المشرع في إطار قانون 33.17 الذي بموجبه تم نقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل الى الوكيل العام لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة.

 

    كما خول المشرع للغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف أن تبت في الطعون المقدمة أمامها فيما يخص أمر بعدم المتابعة، و إصدار قرار بالتأييد، وذلك حسب المادة 240 من قانون المسطرة الجنائية، كما يجوز لها تقرير إلغاء الأمر بعدم المتابعة، وفي هذه الفرضيةالاخيرة عليها إصدار الأمر بإحالة القضية إما على المحكمة الابتدائية صاحبة الاختصاص عندما تعلق الامر بمخالفة أو جنحة تدخل في اختصاصها، في حين إذا تبين لها بأن الافعال لها صبغة جنائية فإنها تأمر بإحالتها على غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف، وذلك حسب مقتضيات المادة 240 من قانون المسطرة الجنائية المغربي.

 

    وفي الأخير، لا يسعنا إلا القول بأن الأمر بعدم المتابعة الصادر عن قاضي التحقيق حينما تكون أدلة الاتهام غير كافية ضد الظنين، ما هو إلا تجسيدا لمبدأ الشرعية "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"، باعتباره ضمانة أساسية لحماية حقوق وحريات الافراد.



(1) المادة 216 من ق.م.ج تنص على أنه يصدر قاضي التحقيق أمرا بعدم المتابعة اذا تبين له أن الأفعال لا تخضع للقانون الجنائي أو لم تعد خاضعة له، أو أنه ليست هناك أدلة كافية ضد المتهم، أو أن الفاعل ظل مجهولا.

(2) عبد الله بن جبارة، الرقابة القضائية على صلاحيات قاضي التحقيق- دراسة مقارنة – اطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، السنة الجامعية 2015\2016ص: 100

(3) نصت المادة 209 من ق. إ.ج المصري" إذا رأت النيابة العامة بعد التحقيق أن لا وجه للإقامة الدعوى تصدر أمرا بذلك وتأمر بالإفراج عن المتهم المحبوس مالم يكن محبوسا لسبب آخر".

(4)عبد الواحد العلمي، شرح في القانون الجنائي الجديد المتعلق بالمسطرة الجنائية، الجزء الثاني، الطبعة السادسة 1439_2018 ص.177

(5) الفصل 115 من ق.ج "لا يعاقب على محاولة الجنحة الا بمقتضى  نص خاص في القانون"

 

(6) قرار محكمة النقض عدد757\9بتاريخ 28غشت 2011.ملف جنائي عدد9640\6\92011 منشور بالمجلة المغربية للقانون الجنائي والعلوم الجنائية، العدد الأول 2014، ص:213.

(7) راجع مقتضيات المادة 216 من ق.م.ج

 


  بقلم : ياسين لهبوب : طالب باحث بسلك الماستر - خريج كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس (alert-success)

إرسال تعليق

0تعليقات
إرسال تعليق (0)

#buttons=(شكرا !) #days=(20)

يجري الموقع دراسة من أجل تقديم أفضل تجربة خلال التصفح
Accept !